الشيخ محمد رشيد رضا
287
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
يَفْعَلُوا فَلا تَحْسَبَنَّهُمْ بِمَفازَةٍ مِنَ الْعَذابِ وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ ) روى الشيخان وغيرهما من طريق حميد بن عبد الرحمن بن عوف أن مروان قال لبوابه اذهب يا رافع إلى ابن عباس فقل لئن كان كل امرئ منا فرح بما أتى وأحب أن يحمد بما لم يفعل معذبا لنعذبن أجمعون . فقال ابن عباس ما لكم وهذه إنما نزلت هذه الآية في أهل الكتاب سألهم النبي صلّى اللّه عليه وسلّم عن شئ فكتموه إياه وأخبروه بغيره فخرجوا قد أروه أنهم قد أخبروه بما سألهم عنه واستحمدوا بذلك اليه وفرحوا بما أتوا من كتمان ما سألهم عنه . وأخرج الشيخان أيضا من حديث أبي سعيد الخدري أن رجالا من المنافقين كانوا إذا خرج رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم إلى الغزو تخلفوا عنه وفرحوا بمقعدهم خلاف رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم فإذا قدم اعتذروا اليه وحلفوا وأحبوا أن يحمدوا بما لم يفعلوا فنزلت هذه الآية . وأخرج عبد الرزاق في تفسيره عن زيد بن أسلم أن رافع بن خديج وزيد بن ثابت كانا عند مروان فقال مروان : يا رافع في أي شئ أنزلت هذه الآية « لا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِما أَتَوْا » : قال رافع أنزلت في ناس من المنافقين كانوا إذا خرج النبي صلّى اللّه عليه وسلّم اعتذروا وقالوا ما حبسنا عنكم الا شغل فلوددنا لو كنا معكم . فانزل اللّه فيهم هذه الآية وكأن مروان أنكر ذلك فجزع رافع من ذلك فقال لزيد بن ثابت : أنشدك اللّه هل تعلم ما أقول ؟ قال نعم . قال الحافظ ابن حجر يجمع بين هذا وبين قول ابن عباس : بأنه يمكن أن تكون نزلت في الفريقين معا . قال وحكى الفراء أنها نزلت في قول اليهود نحن اليهود نحن أهل الكتاب الأول والصلاة والطاعة ومع ذلك لا يقرون بمحمد . وروى ابن أبي حاتم من طرق عن جماعة من التابعين نحو ذلك ورجحه ابن جرير ، ولا مانع أن تكون نزلت في كل ذلك انتهى من لباب النقول . وقد أخرج هذه الروايات غير من ذكرناهم أيضا وقد وجهها بعض من قال إنها نزلت في اليهود بغير ذلك الوجه الخاص في رواية الصحيحين عن ابن عباس ، ومما أخرجه ابن جرير عن ابن عباس في ذلك أنه قال : هم أهل الكتاب أنزل عليهم الكتاب فحكموا بغير الحق وأحبوا أن يحمدوا بما لم يفعلوا ، فرحوا بأنهم كفروا بمحمد صلّى اللّه عليه وسلّم وما أنزل اللّه ، وهم يزعمون أنهم يعبدون اللّه ويصلون ويطيعون اللّه . وروى عن الضحاك أنهم فرحوا بما أتوا من تكذيب النبي